عبد الوهاب الشعراني
235
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
ظنا وتخمينا فلا يجوز لك الهجر من غير تحقق وتثبت وهذا الباب هلك فيه خلق كثير ولم يموتوا حتى ابتلاهم اللّه تعالى بما رموا به الناس واللّه أعلم . وكان رضي اللّه عنه يقول إذا أحب اللّه عبد لم يزد له مالا ولا ولدا وذلك ليزول اشتراكه في المحبة لربه تعالى والحق غيور ولا يقبل الشركة ، قلت : فإن بلغ الولي إلى مقام لا يشغله عن اللّه شاغل فلا بأس بالمال والأولاد ، وكان رضي اللّه عنه يقول : لا تطمع أن تدخل زمرة الروحانيين حتى تعادى جملتك نتباين جميع الجوارح والأعضاء وتنفرد عن وجودك وسمعك وبصرك وبطشك وسعيك وعملك وعقلك وجميع ما كان منك قبل وجود الروح وما أوجد فيك بعد نفخ لأن جميع ذلك حجابك عن ربك عز وجلّ كما قال الخليل للأصنام في قوله تعالى فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ « 1 » فاجعل أنت جملتك وأجزاءك أصناما مع سائر الخلق ولا ترى لغير ربك وجودا مع لزوم الحدود وحفظ الأوامر والنواهي فإن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنك مفتون قد لعب بك الشيطان فارجع إلى حكم الشرع والزمه ودع عنك الهوى لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي باطلة . وكان رضي اللّه عنه يقول : كثيرا ما يلاطف الحق تعالى عبده المؤمن فيفتح قبالة قلبه باب الرحمة والمنة والإنعام فيرى بقلبه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من مطالعة الغيوب والتعريف والكلام اللطيف والوعد الجميل والدلائل والإجابة في الدعاء والتصديق والوعد والوفاء والكلمات من الحكمة ترمى إلى قلبه وغير ذلك من النعم الفائقة كحفظ الحدود والمداومة على الطاعات فإذا اطمأن العبد إلى ذلك واغتر به واعتقد دوامه فتح اللّه عليه أنواع البلايا والمحن في النفس والمال والولد وزال عنه جميع ما كان فيه من النعم يصير العبد متحيرا منكسرا إن نظر إلى ظاهره رأى ما سره وإن نظر إلى باطنه رأى ما يحزنه وإن سال اللّه تعالى كشف ما به من الضر لم يرج إجابة وإن طلب الرجوع إلى الخلق لم يجد إلى ذلك سبيلا وإن عمل بالرخص تسارعت إليه العقوبات وتسلطت الخلائق على جسمه وعرضه وإن طلب الإقالة لم يقل وإن رام الرضا والطيبة والتنعم بما به من البلاء لم يعط فحينئذ تأخذ النفس في الذوبان والهوى في الزوال والإرادات والأماني في الرحيل والأكوان في التلاشى فيدام له ذلك ويشدد عليه حتى تفنى أوصاف بشريته ويبقى روحا فقط فهناك يسمع النداء
--> ( 1 ) سورة الشعراء : آية 77 .